بقلم ممثل حركة حماس في لبنان
الدكتور أحمد عبد الهادي
التاريخ: 19/1/2025
"ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم"
في صباحٍ من صميم الإرادة، وعلى تراب غزّةَ الذي شهد ألف ملحمة، أشرق اليوم بنبأٍ طالما انتظرته القلوب المرهقة، لكنّه جاء شاهداً على عظمة شعبٍ لا ينحني إلا لله، وعلى مقاومةٍ رسمت للعالم معنى البطولة.. وقفُ إطلاق النّار الذي أعلنته الساعة الأولى من هذا اليوم، لم يكن حروفاً تُسطَّر على الورق، بل كان صدىً لصمودٍ أسطوري، وبطولاتٍ لا تنضب، وشهادةً حيةً أنّ فلسطين كان لها طوفان ينتصر لها.
الشّهداء… نجومٌ تضيءُ سماء الحريّة..
في معركة "طوفان الأقصى”، ارتقى قادةٌ عظام وشهداء أبرار إلى العلا، تاركين وراءهم إرثاً من العزّة والكرامة.. القائد الشهيد إسماعيل هنية، والقائد الشهيد يحيى السّنوار، والقائد الشهيد الشيخ صالح العاروري، والقائد الشّهيد سمير فندي، والقائد الشّهيد فتح شريف، وكل شهيد ارتقى دفاعاً عن فلسطين، هم نجومٌ أضاءت الطريق نحو الحريّة.
كل واحدٍ من هؤلاء الشهداء كان رمزاً لعظمة هذه القضية، وشاهداً على أنّ الدّماء الزكية التي سالت على تراب فلسطين كانت وقوداً لاستمرار المقاومة.. لم يكن استشهادهم نهاية، بل كان بدايةً لمرحلة جديدة من النضال.
غزّة… حيث الصمود يُعاد تعريفُه..
غزّة، تلك الأرض الصغيرة بحجمها والكبيرة بإنجازها، قاومت رغم الإبادة والمجازر، وعاندت الإجرام بأجساد أبنائها وبإيمانهم الذي لا يتزعزع.. في "معركة طوفان الأقصى”، لم تكن المقاومة وحدها من قاتلت، بل كان الشعب بأكمله يقف في خط المواجهة.. رجالٌ ونساءٌ، شيوخٌ وأطفال، كلٌّ كان مشروع شهادة.. في زحمة الركام، وفي حضن الظلام الذي حاول الاحتلال أن يفرضه، أضاءت غزّة بنورها الذي لا ينطفئ.
بطولات المقاومة… قصصٌ ترويها الأرض والسماء..
أبطال المقاومة، الذين نحتوا أسماءهم في قلب كل فلسطيني وحر في العالم، لم يكونوا مجرد مقاتلين، بل كانوا رموزاً للعزة والكرامة.. مقاتلون وقفوا في وجه الطائرات والدبابات، عاهدوا فلسطين أن تبقى شامخةً، وأقسموا ألا يخضعوا لضغوطات العدو.. هؤلاء الذين واجهوا الموتَ بصدورهم العارية، كانوا يعلمون أنّ الحياة التي تُطلب على الرُّكَبَ لا تساوي شيئاً.. هم من جعلوا العدو يُعيد حساباته، ويُدرك أنّ كلفة العدوان أكبر من أن يتحملّها.
الشعبُ… روايةُ صمودٍ لا تنتهي..
لم يكن صمود الشعب الفلسطيني في غزة مجرّد موقف، بل كان ملحمة تُروى.. النساء في الخيم، والأطفال الذين تحدَّوا الخوف بالضحكات، والشيوخ الذين رأوا في أعين الشباب امتداداً لحكاية النضال.. جميعهم كانوا حائط الصد الأول.. على كل شبرٍ من الأرض، كان هناك من يحمل راية الكرامة، حتى باتت غزّة بأسرها أيقونة الصمود في وجه أعتى قوة غاشمة إرهابيّة.
غزة والإسناد… درعٌ وسند..
لم تكن غزة وحدها في الميدان، فقد هبّت جبهات الإسناد تُرسل رسائل النار والإنذار.. المقاومة الإسلامية "حزب الله” في لبنان، كانت كالسيف المُصلت على رقاب المحتل، مؤكدةً أنّ البوصلة لا تحيد، وأنّ القدس هي مهوى القلوب.. إنّ هذا الدعم هو رسالةُ وفاءٍ، من محور المقاومة، لشعبٍ يُعيد تعريف الشجاعة في كل يوم.
وقفُ إطلاقِ النار… انتصارُ الإرادة..
إنّ وقف إطلاق النار الذي وُقّع الأيّام الماضية ليس مجرّد هدنة، بل هو اعترافٌ من الاحتلال أنّ إرادة الشعب والمقاومة لا تُكسر.. لولا ثبات المقاومة وبسالة الشّعب لما رضخ العدو.. لم يكن هذا الاتّفاق هديةً من أحد، بل كان حصاد دماء الشهداء، وآهات الجرحى، وأصوات الأمهات اللواتي حملن لوعة الفقد، ومع ذلك هتفن: "لأجل فلسطين، كل شيء يهون”.
ما بعد الاتّفاق… آمالٌ تتجدّد..
لكنّ هذا الاتفاق ليس نهاية المطاف، بل هو بداية مرحلة جديدة في القضية الفلسطينية.. إنّه رسالة للعالم أنّ فلسطين ليست وحيدة، وأنّ شعبها قادرٌ على فرض إرادته.. ستكون هذه الهدنة وقفة لتقييم ما مضى، وانطلاقة لما هو آتٍ.. ستظل المقاومة هي الدرع الحامي، وسيبقى الشعب الفلسطيني هو السيف القاطع.
كلمة أخيرة..
إلى غزّة التي علّمت العالم معنى الكرامة.. إلى المقاومين الذين صنعوا من دمائهم جسراً نحو الحرية.. إلى الشعب الفلسطيني الذي رفع راية الحق رغم كل الجراح.. نكتب لكم اليوم بمدادٍ من فخر.. إنّكم الأمل في زمن الانكسار، وأنتم الضوء في عتمة الاحتلال.. سيظل العالم يذكركم، وسينحني التاريخ ونحن معه أمام عظيم تضحياتكم.