الأربعاء 14 كانون الثاني 2026

خطاب ترمب والكيل بمكيالين: حين تصبح الغطرسة بديلاً عن القانون


يوسف أبو سامر موسى باحث سياسي / فلسطين
الثلاثاء 13 كانون الثاني

لم يكن خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي ألقاه الليلة بتوقيت القدس، مجرد استعراض سياسي عابر، بل جاء كاشفًا عن جوهر العقلية التي تحكم المشروع الأميركي في مرحلته الأكثر توحشًا، حيث يتقدّم منطق القوة على القانون، وتُداس القيم التي طالما تغنّت بها الولايات المتحدة تحت شعار "الديمقراطية وحقوق الإنسان”.
تطرّق ترمب في خطابه إلى ملفات اقتصادية وسياسية متعددة، لكن اللافت لم يكن مضمون القضايا بقدر ما كان نبرة التفاخر بالأعمال العدائية، واقتحام المحرّمات الدولية، والاستهانة الصارخة بكل القوانين والأعراف التي يُفترض أنها تحكم النظام العالمي. لقد قدّم نفسه بوصفه فوق المساءلة، وفوق القانون، وكأن العالم ساحة مفتوحة لإرادته الشخصية.
أخطر ما في الخطاب كان تباهيه العلني بجريمة اغتيال الفريق قاسم سليماني، الذي كان ضيفًا رسميًا على أرض دولة ذات سيادة. لم يكتفِ ترمب بالاعتراف بالجريمة، بل قدّمها كإنجاز، في سابقة خطيرة تُشرعن الاغتيال السياسي وتنسف مفهوم السيادة الوطنية، وتؤسس لمرحلة يصبح فيها القتل أداة مشروعة في العلاقات الدولية.
وفي مشهد يعكس الانقسام الداخلي الأميركي، لم يتورع ترمب عن السخرية من شريحة واسعة من أبناء شعبه، وتحديدًا جمهور الحزب الديمقراطي، كما تطاول على الرئيس السابق جو بايدن، في خطاب مليء بالتحريض والكراهية، يؤكد أن الرجل لا يرى في الرئاسة مسؤولية جامعة، بل منصة لتصفية الحسابات وإشعال الانقسامات.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تباهى بعملية إرهابية نُفذت بأمره في فنزويلا، شملت اختطاف رئيس الدولة والاعتداء الجسدي على زوجته، في انتهاك فجّ لكل المواثيق الدولية. المفارقة الصارخة أن من يفاخر بمثل هذه الجرائم، يخرج علينا في الوقت نفسه واعظًا عن الفضيلة والحرص على الأرواح، بينما تلاحقه فضائح أخلاقية مقززة، طالت حتى الأطفال.
أما حديثه عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فجاء محمّلًا بالتحريض والتهويل، حيث تباكى على قتلى الاحتجاجات، متناسيًا – أو متغافلًا عمدًا – عن دوره المباشر، ودور الكيان الصهيوني، في تأجيج الفوضى والعنف. وفي المقابل، أسقط من حساباته العنف غير المحدود الذي مارسته أجهزة إنفاذ القانون الأميركية ضد المحتجين داخل الولايات المتحدة، في ازدواجية فاضحة تكشف الكيل بمكيالين.
وعندما نصل إلى فلسطين، تتعرّى كل الادعاءات الأميركية. ترمب يرى – أو يتجاهل – بأمّ العين حجم الإبادة الجماعية التي يرتكبها جيش الاحتلال الصهيوني في غزة والضفة الغربية، حيث أعداد الشهداء غير المسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك يلتزم الصمت، بل يمنح الغطاء السياسي والعسكري الكامل. هنا تتجلى الحقيقة: دماء الفلسطينيين لا تدخل في حسابات "القلق الإنساني” الأميركي.
تهديده بفرض رسوم جمركية وعقوبات على كل دولة تتعامل تجاريًا مع إيران، يحمل رسالة واضحة للعالم: وداعًا للقانون الدولي. فالقانون، وفق منطق ترمب، هو "قانوني أنا”، وقانون القوة وحده هو الذي يحكم. إنها لغة الغطرسة ذاتها التي تحدث بها فرعون حين قال لقومه: *أنا ربكم الأعلى،* فجاء الرد الإلهي حاسمًا:
*﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَىٰ﴾.*
إن خطاب ترمب ليس مجرد كلمات، بل تعبير صريح عن مرحلة خطرة من الاستعلاء السياسي، حيث تُستبدل القيم بالقوة، والعدالة بالهيمنة. لكنه في الوقت ذاته، يحمل في طياته بذور السقوط، لأن التاريخ علّمنا أن الغطرسة، مهما طال أمدها، لا تصمد أمام سنن الحق والعدل.

✍️ *يوسف أبو سامر موسى باحث سياسي / فلسطين*
*الثلاثاء 13 كانون الثاني*