أسباب الصراع وخلفيات الملاحقة القضائية لنيكولاس مادورو بعيدًا عن السردية الإعلامية
كتب: أحمد صلاح عثمان
مقدمة
تُعد العلاقة بين الولايات المتحدة وفنزويلا واحدة من أكثر العلاقات توترًا في نصف الكرة الغربي خلال العقود الأخيرة. هذا التوتر لا يمكن اختزاله في شعارات الديمقراطية أو حقوق الإنسان، ولا في التغطية الإعلامية التي غالبًا ما تُبسّط المشهد أو تسيّسه، بل هو نتاج تداخل معقّد بين الطاقة، والأمن القومي، والنفوذ الجيوسياسي، والسيادة السياسية.
من هذا المنطلق، تأتي الملاحقات القضائية الأميركية بحق الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كجزء من استراتيجية طويلة الأمد، وليس كحدث قانوني معزول أو خطوة مفاجئة
أولًا: الخلفية التاريخية والاستراتيجية للعلاقة
النفط وأهميته البنيوية
تمتلك فنزويلا أحد أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، وكان النفط يشكّل قبل العقوبات ما يقارب 90–96% من عائداتها من العملة الصعبة. تاريخيًا، شكّلت السوق الأميركية الوجهة الأهم للنفط الفنزويلي، ما خلق علاقة اعتماد متبادل.
لكن هذه العلاقة بدأت بالتآكل مع:
•صعود هوغو تشافيز وسياسات التأميم.
•استخدام النفط كورقة سياسية.
•ثم لاحقًا، العقوبات الأميركية التي عطّلت هذا الارتباط.
ورغم أهمية النفط، فإن الصراع الحالي لم يعد صراع موارد فقط، بل صراع تحكم ونفوذ.
2. فنزويلا في الحسابات الجيوسياسية الأميركية
تنظر الولايات المتحدة إلى أميركا اللاتينية ضمن إطارها الجيوسياسي التقليدي الذي تعود جذوره إلى نظرية مونرو (1823)، والتي تعتبر نصف الكرة الغربي مجال نفوذ أميركيًا يجب تحصينه من القوى المنافسة.
في هذا السياق، شكّل:
•تحالف مادورو مع روسيا، الصين، وإيران،
•وفتح المجال العسكري والاقتصادي والاستخباراتي أمامهم،
تحديًا مباشرًا لهذا التصور، خصوصًا في ظل اشتداد التنافس الدولي بين واشنطن وهذه القوى
ثانيًا: أسباب الخلاف المباشر مع نظام مادورو
ملف المخدرات كأداة ضغط قانونية
منذ سنوات، تتهم واشنطن شخصيات نافذة في الدولة الفنزويلية، خصوصًا داخل الجيش، بالارتباط بشبكات تهريب مخدرات عُرفت إعلاميًا باسم "Cartel of the Suns”.
هذه الاتهامات:
•ليست جديدة.
•ولم تكن يومًا سرًا استخباراتيًا.
•لكنها فُعّلت سياسيًا وقانونيًا عندما أصبح النظام الفنزويلي خصمًا مباشرًا.
عام 2020، وُجّهت لوائح اتهام جنائية رسمية ضد مادورو وعدد من كبار مساعديه بتهم:
•الاتجار بالمخدرات.
•الإرهاب.
•التآمر ضد الولايات المتحدة.
هذه اللوائح لا تعني اعتقالًا فعليًا، بل تشكّل إطارًا قانونيًا يسمح بالملاحقة الدولية وتبرير العقوبات.
2. العقوبات الاقتصادية: أداة إنهاك لا إسقاط فوري
منذ 2019، فرضت الولايات المتحدة عقوبات قاسية على:
•صادرات النفط.
•البنك المركزي.
•شركات الطاقة الحكومية.
الهدف لم يكن إسقاط النظام سريعًا، بل:
•إضعاف قدرته المالية،
•تقليص هامش المناورة،
•وزيادة الضغوط الداخلية عليه.
ضمن هذا السياق، رفعت واشنطن المكافأة المالية مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقال مادورو، في خطوة رمزية–ردعية أكثر منها عملية.
الشرعية السياسية والانتخابات
رفضت الولايات المتحدة الاعتراف بشرعية الانتخابات الرئاسية الأخيرة في فنزويلا، واعتبرتها:
•غير نزيهة،
•خاضعة لسيطرة الدولة،
•وتفتقد للمعايير الديمقراطية.
هذا الرفض عمّق القطيعة، وحوّل الصراع من خلاف سياسي إلى نزاع على الشرعية الدولية.
ثالثًا: ما وراء الملاحقة القضائية لمادورو
مادورو كنقطة ضغط استراتيجية
تتعامل واشنطن مع مادورو ليس فقط كرئيس دولة، بل كـ:
•رأس منظومة معادية،
•وعقدة وصل بين شبكات سياسية، عسكرية، واقتصادية خارج الفلك الأميركي.
لذلك، فإن الملاحقة القضائية تهدف إلى:
•عزله دوليًا،
•تقييد حركته،
•وإرسال رسالة ردع لحلفائه الإقليميين.
2. الطاقة والاقتصاد في لحظة دولية حساسة
رغم تراجع الاعتماد الأميركي المباشر على النفط الفنزويلي، فإن:
•إعادة إدماج فنزويلا في سوق الطاقة العالمية،
•تبقى ورقة استراتيجية مستقبلية،
لكن بشرط تغيير طبيعة النظام أو سلوكه.
الصراع بين الولايات المتحدة وفنزويلا ليس صراعًا أخلاقيًا ولا قانونيًا بحتًا، بل هو نتاج تفاعل معقّد بين:
•اقتصاد الطاقة
•الأمن القومي ومكافحة المخدرات
•السيادة السياسية
•النفوذ الإقليمي والدولي
الملاحقة القضائية لنيكولاس مادورو ليست حدثًا عابرًا، ولا تعبيرًا عن مفاجأة قانونية، بل هي أداة ضمن استراتيجية ضغط طويلة الأمد تهدف إلى إعادة ضبط فنزويلا داخل التوازنات الأميركية في نصف الكرة الغربي.