الإثنين 5 كانون الثاني 2026

جماعة الإخوان المسلمين والجذور الفكرية للتنظيمات الإرهابية المعاصرة

النهار الاخباريه قسم التحليل – احمد صلاح عثمان ...
مقدمة
على مدار العقود الماضية، أثار دور جماعة الإخوان المسلمين في نشوء وتطور الحركات الإسلامية المتطرفة جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والأمنية والفكرية. وبينما تسعى بعض الأطراف إلى تقديم الجماعة بوصفها حركة إصلاحية قابلة للإدماج السياسي، تشير الوقائع التاريخية والتحليلات الأمنية إلى أن الإخوان شكّلوا، فكرياً وتنظيمياً، أحد أبرز المنابع التي خرجت منها أخطر التنظيمات الإرهابية المعاصرة، رغم اختلاف المسميات وتباين الأساليب.
يهدف هذا التقرير إلى تحليل العلاقة بين جماعة الإخوان والتنظيمات الجهادية العنيفة، من خلال تتبع الجذور الفكرية، ومسارات التطور التنظيمي، وتجارب الإدماج السياسي، وصولاً إلى استخلاص دلالات أمنية ذات صلة بالسياسات الإقليمية والدولية.
أولاً: الإطار الفكري العام لجماعة الإخوان
قامت جماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها على منظومة فكرية شمولية تعتبر الإسلام مشروعاً متكاملاً للحكم والمجتمع والدولة. ومن أبرز مرتكزات هذا الإطار:
مركزية مفهوم الحاكمية بصيغ متفاوتة.
أولوية التنظيم على الدولة الوطنية.
العمل المرحلي القائم على التدرج والتمكين.
اعتماد البنية التنظيمية المغلقة والطاعة الهرمية.
هذه المرتكزات، وإن لم تكن جميعها عنيفة في ظاهرها، وفرت بيئة فكرية قابلة لإنتاج تفسيرات أكثر تشدداً، خاصة في ظل الصدام مع الدولة أو فشل المشروع السياسي
ثانياً: سيد قطب وتحول الفكر إلى أداة صدام
يمثل المفكر الإخواني سيد قطب نقطة تحول مركزية في تاريخ الحركات الإسلامية المعاصرة. فقد أسس، عبر مفاهيم مثل «الجاهلية المعاصرة» و«المفاصلة» و«الطليعة المؤمنة»، لشرعنة الصدام مع المجتمع والدولة، وهو ما شكل المرجعية الفكرية الأساسية لتنظيمات العنف الجهادي لاحقاً.
وتُظهر كتابات قادة تنظيم القاعدة، وعلى رأسهم أيمن الظواهري، تأثراً مباشراً بأفكار قطب، ليس بوصفها اجتهاداً فكرياً معزولاً، بل كإطار أيديولوجي موجه للفعل العنيف.

ثالثاً: من الإخوان إلى القاعدة وداعش
تشير شهادات ووقائع موثقة إلى أن عدداً من قيادات التنظيمات الإرهابية مرّوا، في مراحل مبكرة، بتجربة الانتماء أو التأثر بجماعة الإخوان المسلمين.
أسامة بن لادن أقر بتأثره بفكر الإخوان.
أيمن الظواهري ارتبط مبكراً بالتنظيمات المتأثرة بسيد قطب.
أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش، تشير شهادات متعددة إلى مروره بمرحلة ارتباط أو تأثر بالبيئة الإخوانية.
ويجمع خبراء الحركات الإسلامية على أن الخلاف بين الإخوان والتنظيمات الجهادية لم يكن في الأهداف النهائية، بل في وسائل التنفيذ وسرعة المواجهة، حيث رأت التنظيمات الجهادية أن منهج الإخوان «بطيء وغير حاسم».
رابعاً: فشل تجارب الإدماج السياسي
أظهرت تجارب الانفتاح السياسي على جماعة الإخوان، خصوصاً في ثمانينيات القرن الماضي، ثم بعد ما سمي بـ«الربيع العربي»، أن إدماج الجماعة في الأنظمة السياسية لم يؤدِّ إلى تحولها إلى فاعل مدني ديمقراطي.
بل على العكس، كشفت هذه التجارب عن نمط متكرر:
1.تغلغل هادئ داخل مؤسسات الدولة.
2.محاولة السيطرة على مفاصل القرار.
3.صدام مع الدولة والمجتمع عند تعثر مشروع التمكين.
4.تفريخ تيارات أكثر تشدداً بعد الفشل.
وقد تجسدت هذه الظاهرة بوضوح في مصر وتونس، حيث انتهت التجربة الإخوانية باحتجاجات شعبية واسعة وإقصاء سياسي، تلاهما تصاعد في خطاب التطرف والعنف.
خامساً: الموقف الأوروبي والتحول في المقاربة
في السنوات الأخيرة، أعادت عدة دول أوروبية تقييم سياساتها تجاه الجماعات المرتبطة بالإخوان. وخلصت مراكز بحثية وأمنية إلى أن التركيز على الواجهات القانونية والخطاب المعتدل يخفي في كثير من الأحيان بنى تنظيمية مغلقة وأجندات غير دستورية.
وقد دفع ذلك دولاً مثل ألمانيا وفرنسا إلى اتخاذ إجراءات ضد منظمات إسلامية تنشط تحت غطاء قانوني، بعد ثبوت تبنيها أفكاراً تتعارض مع القيم الدستورية والاندماج المجتمعي الحقيقي.

الاستنتاج
يخلص هذا التقرير إلى أن جماعة الإخوان المسلمين لم تكن بالضرورة المنفذ المباشر لكل أعمال العنف الإرهابي، لكنها شكّلت، تاريخياً، البيئة الفكرية والتنظيمية الأوسع التي انبثقت منها معظم الحركات الجهادية المعاصرة.
كما يبيّن أن تغيير الخطاب أو الواجهة التنظيمية لا يعني بالضرورة تغيير المشروع أو التخلي عن الأهداف النهائية.
وعليه، فإن التعامل مع هذا الملف من منظور أمني واستراتيجي يتطلب قراءة واقعية للتجارب التاريخية، بعيداً عن التقديرات المتفائلة أو محاولات تبييض الماضي، إدراكاً لحقيقة أن الأمن القومي لا يُدار بالنوايا المعلنة، بل بالوقائع المتراكمة.