فلسطين- خاص
وهيبة زيّاد
في زوايا البيوت، وفي أدراجها المغلقة، وبين طيّات الكتب المنسيّة على الرفوف المغبرّة، في الصناديق الخشبية والكرتونية الكبيرة منها والصغيرة، وفي الخزائن وألبومات الصور، وحتى في الذاكرة الشخصية التي لم تُروَ شفهيًا ولم تُوثَّق كتابةً، تختبئ حياة كاملة لعائلاتٍ تشكّلت فأصبحت امتدادًا لعائلاتٍ أخرى.
تتشابك العلاقات، وتتداخل القصص والحكايات بين الأفراد والمجموعات، من الحارات إلى المدن، لتكتب معًا حكاية وطن، وتشكل ذاكرة جماعية للشعوب.
الأرشيف العائلي ليس مجرّد صور وأوراق قديمة أو وثائق رسمية نعود إليها بين الفينة والأخرى لنتذكّر ونستذكر، إنما هو الشاهد الحيّ على وجود الأهل والعائلة، على اهتماماتهم ومسارات حياتهم وتاريخهم. هو ما يوثّق ويُثبت عبر الأزمنة، أنّ المكان كان يعجّ بالناس، وينبض بالحياة بأفراحها وأحزانها، ويضجّ بالعلاقات والمناسبات والنضالات.
إنّ الحفاظ على الأرشيفات البيتية ليس ترفًا، بل ضرورة تهدف إلى حماية الذاكرة الشخصية لكل فرد، والذاكرة الجماعية للعائلة. فالأرشيف يوثّق تاريخ العائلات، ويضمن حفظ الأدلّة القانونية الهامّة، مثل ملكية البيت والأرض، وعقود الزواج، وشهادات الميلاد والوفاة. كما يوفّر موادا أساسية للباحثين والمهتمين مستقبلًا، ويشكّل مصدرا معرفيا لفهم التاريخ الاجتماعي والإنساني.
من يملك الأرشيف يملك القدرة على كتابة التاريخ. فليس من قبيل الصدفة أنّ كل استعمار واحتلال، عبر الزمن، سعى إلى سرقة أرشيفات الشعوب التي استعمرَها والسيطرة عليها. فالاستعمار، بصفته كيانًا ذا أهداف ومخططات، يدرك أن إخفاء الأرشيف وطمس الوثائق يُمكّنه من إنكار حقوق الشعوب التي يحتلها، ونزع الشرعية عن أصحاب الأرض وسكّان المكان الأصليين.
عندما لا تمتلك الشعوب أرشيفها الذي يضمّ الوثائق والصور والأدلّة التي تثبت وجودها على هذه الأرض، وتكشف ثقافتها وطرق عيشها، واهتماماتها، وأسماء مدنها وقراها، ورموزها عبر العصور، فإنها تفتح المجال أمام الاستعمار لتفكيك هويتها الجمعية وطمسها، وكتابة سرديته الخاصة بما يخدم مصالحه. وحينها تُقدَم هذه الشعوب إلى العالم كأنهم مجرّد عابرين بلا جذور ولا هوية، وكأن تاريخ المكان قد بدأ مع قدوم المستعمِر.
في هذا السياق، وبوعيٍ كاملٍ بأهمية التوثيق والحفاظ على الذاكرة، كتب الشاعر الفلسطيني توفيق زيّاد في قصيدته «على جذع زيتونة»:
سأحفرُ كلَّ ما تحكي لي الشمسُ
ويهمسُه ليَ القمر
وما ترويه قبَّرة
على البئر التي
عشّاقها هجروا....
لكي أذكر، وكي تَذكر
سأبقى قائمًا أحفر
جميع فصول مأساتي
وكلّ مراحل النكبة
من الحبّة
إلى القبّة
على زيتونة
في ساحة الدّار...
فما يفعله الشاعر هنا هو فعل أرشفة بامتياز، يحفر الذاكرة في المكان، ويثبت الحكاية قبل أن تُمحى. تمامًا كما تفعل العائلات حين تحتفظ بصورها ووثائقها ورسائلها. الأرشيف العائلي، كما هذا الحفر على جذع الزيتونة، هو مقاومة للنسيان، وإصرار على أن يبقى الأثر شاهدًا على الوجود الإنساني.
من دون الأرشيف تضيع قصص كثيرة لا تُعوَّض. والحفاظ عليه لا يعني الاحتفاظ به فقط، بل حمايته من التلف والضياع. وهنا تبرز أهمية الرقمنة بوصفها وسيلة حديثة تضمن صون الأرشيف وحفظه للأجيال القادمة. الرقمنة لا تعني إلغاء الأصل الورقي، بل تحميه، وتسهّل الوصول إليه، وتفتح المجال لمشاركته في مشاريع ثقافية وتعليمية ومعرفية.
في زمنٍ تتعرّض فيه الهوية للتشويه والسرقة، يصبح الاهتمام بحفظ الأرشيف فعلًا واعيًا ومسؤولًا، لا يقتصر على المؤسسات، بل يبدأ من البيت ليحفظ الماضي، ويُثبت الحاضر، ويصون المستقبل.